خليل الصفدي
268
نكت الهميان في نكت العميان
وسمعوها بقراءتي عليه ، وكان بيده نسخة صحيحة يثق بها ، وبأيدي الجماعة قريب من اثنتي عشرة نسخة ، وإحداهن بخط الحريري ، ووقع منه ومن الجماعة في أثناء القراءة فوائد ومباحث عديدة ، وقال لي : لم أر بعد ابن دقيق العيد أفصح من قراءتك ، ولما وصلت إلى المقامة التي أورد الحريري فيها الأحاجى قال : ما أعرف مفهوم الأحجية المصطلح عليها بين أهل الأدب ، فأخذت في إيضاح ذلك وضرب الأمثلة له ، فقال لي : لا تتعب معي ، فإني تعبت مع نفسي في معرفة ذلك كثيرا ولا أفاد ولا ظهر لي . وهذا في غاية الإنصاف منه والعدالة ؛ لاعترافه لي في مثل ذلك الجمع وهم يسمعون كلامه بمثل ذلك ، وقرأت عليه سقط الزند لأبى العلاء المعرى ، وبعض الحماسة لأبى تمام الطائي ، ومقصورة ابن دريد ، وسمعت من لفظه كتاب الفصيح لثعلب ، وكان يحفظه ، وسمعت من لفظه كتاب تلخيص العبارات بلطيف الإشارات في القراءات السبع لابن بليمة ، وسمعت من لفظه خطبة كتاب ارتشاف الضرب من لسان العرب ، وانتقيت ديوانه ، وكتبته ، وسمعته منه ، وسمعت من لفظه ما اخترته من كتابه مجانى الهصر ، وغير ذلك ، وأنشدني من لفظه لنفسه : سبق الدمع بالمسير المطايا * إذ نوى من أحب عنى نقله وأجاد السطور في صفحة الخ * د ولم يجيد وهو ابن مقله وأنشدني أيضا في صفات الحروف : أنا ها ولمستطيل أغن * كلما اشتد صارت النفس رخوه أهمس القول وهو يجهر سبى * وإذا ما انخفضت أظهر علوه فتح الوصل ثم أطبق هجرا * بصفير والقلب قلقل شجوه لان دهرا ثم اغتدى ذا انحراف * وفشا السر مذ تكررت نحوه وأنشدني من لفظة لنفسه : يقول لي العذول ولم أطعه * تسل فقد بدا للحب لحيه تخيل أنها شانت حبيبي * وعندي أنها زين وحليه وأنشدني من لفظه لنفسه : راض حبيبي عارض قد بدا * يا حسنه من عارض رائض وظن قوم أن قلبي سلا * والأصل لا يعتد بالعارض